21 يناير، 2026

التعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي- بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية

التعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي- بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية
مقالة قانونية توعوية
الدكتور أحمد فارس إدريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق

المقدمة:
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة فضاءً مفتوحًا للتعبير عن الرأي، وأداة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، إلا أن هذا الفضاء – على اتساعه – لم يعد مقتصرًا على النقد البنّاء أو إبداء الرأي المشروع، بل شهد تصاعدًا خطيرًا في ظاهرة التعليقات المسيئة، والتشهير، والتسقيط الممنهج بحق المؤسسات العامة، ولا سيما التعليمية والتربوية، وكذلك بحق الشخصيات العامة والعاملين في مؤسسات الدولة.
إن الإشكالية القانونية التي تطرحها هذه الظاهرة تتمثل في الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين حرية التعبير التي كفلها الدستور والقوانين، وبين الاعتداء على السمعة والاعتبار وتشويه صورة المؤسسات، بما يخرج عن نطاق النقد المشروع ويدخل في دائرة الأفعال المجرّمة قانونًا.

أولًا: حرية التعبير وحدودها القانونية: لا خلاف على أن حرية التعبير حق أساسي من حقوق الإنسان، غير أن هذا الحق ليس مطلقًا، بل يخضع لقيود يفرضها القانون حمايةً للنظام العام، والآداب العامة، وحقوق الآخرين. فالقانون لا يحمي الرأي عندما يتحول إلى:
١.سبّ أو قذف،
٢.تشهير متعمد،
٣.نشر معلومات كاذبة أو مضللة،
٤.أو الإساءة إلى مؤسسات الدولة بما يمس هيبتها ووظيفتها العامة.
وبذلك فإن النقد المقبول قانونًا هو النقد القائم على الوقائع المثبتة، والمُعبّر عنه بأسلوب موضوعي، وليس القائم على الاتهام المجرد أو التعميم أو الإساءة الشخصية.

ثانيًا: الطرق القانونية لمعالجة تقصير المؤسسات: إن وجود تقصير أو خلل في أداء مؤسسة عامة أو تعليمية لا يبرر اللجوء إلى التشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي. فالقانون رسم طرقًا مشروعة لمعالجة مثل هذه الحالات، من بينها:
١.تقديم الشكاوى الإدارية الرسمية،
٢.اللجوء إلى الجهات الرقابية المختصة،
٣.إقامة الدعاوى القضائية عند توافر الأدلة،
أما تحويل وسائل التواصل إلى محاكم مفتوحة، يُدان فيها الأفراد والمؤسسات دون دليل أو حكم قضائي، فهو سلوك يفتقر إلى المشروعية القانونية والأخلاقية.

ثالثًا: الحماية القانونية للمؤسسات والأشخاص: إن التشريعات الجزائية، وعلى رأسها قانون العقوبات، قد جرّمت أفعال السب والقذف والتشهير، سواء وقعت بالوسائل التقليدية أو عبر الوسائل الإلكترونية. كما أن هناك نصوصًا قانونية صريحة تحمي:
١.مؤسسات الدولة وهيبتها،
٢.الموظف العام أثناء أداء وظيفته،
٣. الشخصيات العامة من حملات التشويه المتعمدة.
٤.يُسأل قانونًا كل من ينشر أو يعلّق أو يعيد نشر محتوى يتضمن إساءة أو تشهيرًا، متى توافرت أركان الجريمة، ولا يُعفى من المسؤولية بحجة “حرية الرأي”.

رابعًا: البعد التوعوي والمسؤولية المجتمعية:إن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على بعدها القانوني، بل تمتد إلى آثارها الاجتماعية، إذ تؤدي إلى:
١.إضعاف الثقة بالمؤسسات،
٢.نشر ثقافة التسقيط بدل الإصلاح،
٣.وتشويه صورة الدولة أمام الرأي العام.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر الوعي القانوني بين أفراد المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، بأن وسائل التواصل الاجتماعي ليست خارج نطاق القانون، وأن الكلمة المكتوبة قد تُرتّب مسؤولية جزائية ومدنية.

الخاتمة:
إن النقد حق، والتشهير جريمة. وإن حماية مؤسسات الدولة لا تعني تحصينها من المساءلة، بل تعني إخضاعها للمساءلة القانونية الصحيحة، لا للمزايدات والتشهير الإلكتروني. فالمجتمع الواعي هو الذي يُصلح بالوسائل القانونية، لا الذي يهدم بالكلمة غير المسؤولة.

رئاسة تدريسي من كلية الحقوق لجنة مناقشة
كلية الحقوق تحتفي باليوم الوطني للقران الكريم

مشاركة الخبر