1 يناير، 2026
مقالة قانونية

ظاهرة التحرش وأثرها على الأمن المجتمعي
مقالة قانونية
الدكتور أحمد فارس إدريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق
المقدمة:
ان ظاهرة التحرش، بمختلف صورها وأشكالها، من الظواهر السلبية التي تهدد السلم المجتمعي وتُخلّ بالنظام العام، لما تنطوي عليه من اعتداء على كرامة الإنسان وحريته الشخصية. ولم يعد التحرش مقتصراً على جانب واحد، بل تعددت مظاهره لتشمل التحرش اللفظي، والسلوكي، والجسدي، والإلكتروني، مما يستوجب دراسة هذه الظاهرة من منظور قانوني واجتماعي وديني، وبيان موقف التشريع العراقي منها ومدى كفايته في مواجهتها.
أولاً: مفهوم التحرش وصوره يمكن تعريف التحرش بأنه: كل سلوك أو قول أو فعل غير مرغوب فيه، يصدر من شخص تجاه آخر، ينطوي على إساءة أو تهديد أو انتقاص من الكرامة الإنسانية، ويؤدي إلى شعور الضحية بالإهانة أو الخوف أو عدم الأمان.ومن أبرز صوره:
١. التحرش اللفظي: كالإهانات، السخرية، التهديد، الألفاظ المسيئة.
٢.التحرش السلوكي: كالملاحقة، المضايقة المتكررة، الإشارات المستفزة.
٣.التحرش الجسدي: أي اعتداء مادي أو محاولة تماس دون رضى.
٤.التحرش الإلكتروني: عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل والمنصات الرقمية.
ثانياً: موقف القانون العراقي من ظاهرة التحرش: رغم عدم وجود تعريف جامع لمصطلح “التحرش” في التشريع العراقي، إلا أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل قد تصدى لهذه الأفعال من خلال عدة نصوص، منها:
1. جرائم الاعتداء على الحرية الشخصية: حيث يُجرِّم القانون الأفعال التي تنال من حرية الأفراد وطمأنينتهم، ومنها المضايقة والتهديد والإكراه.
2. الجرائم المخلة بالحياء والآداب العامة:والتي تشمل الأفعال أو الأقوال التي تُخدش الحياء العام أو تمس كرامة الإنسان، سواء وقعت في الأماكن العامة أو الخاصة.
3. جرائم التهديد والسب والقذف
وهي صور شائعة من صور التحرش اللفظي، وقد رتب القانون عليها عقوبات بالحبس أو الغرامة.
4. التحرش في بيئة العمل
وقد عالجه قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 من خلال تحريم أي سلوك مهين أو مسيء في بيئة العمل، واعتبره مخالفة قانونية تستوجب المساءلة.ويلاحظ أن هذه النصوص، رغم أهميتها، مبعثرة وغير موحدة، مما يبرز الحاجة إلى تشريع خاص وشامل يعالج ظاهرة التحرش بصورها الحديثة، ولا سيما الإلكترونية منها.
ثالثاً: موقف المجتمع من ظاهرة التحرش: يعتبر التحرش سلوكاً مرفوضاً اجتماعياً، ويتعارض مع القيم والتقاليد العراقية القائمة على الاحترام المتبادل وحفظ الكرامة الإنسانية. إلا أن ضعف الوعي القانوني، والخوف من الإبلاغ، والتسامح أحياناً مع هذه الأفعال، أسهم في تفاقم الظاهرة، مما يستدعي دوراً أكبر للأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام في نشر ثقافة الرفض والمساءلة.
رابعاً: موقف الدين الإسلامي من التحرش: حرّم الإسلام كل ما من شأنه إيذاء الإنسان أو انتهاك كرامته، قال تعالى:﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ ويُعد التحرش، بكافة أشكاله، اعتداءً محرّماً شرعاً، لما يتضمنه من أذى وظلم وتعدٍ على حقوق الآخرين. وقد أكد الدين الإسلامي على:
١. حفظ الكرامة الإنسانية
٢.صيانة الحقوق
٣.منع الأذى والعدوان
٤.فرض المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية على الفرد
الخاتمة:
إن ظاهرة التحرش تمثل تحدياً قانونياً ومجتمعياً وأخلاقياً، ولا يمكن مكافحتها إلا من خلال:
١.تطوير التشريعات العراقية وسن قانون خاص بالتحرش
٢.تفعيل دور الأجهزة الأمنية
٣.نشر الوعي المجتمعي
٤.ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية
وبذلك يتحقق التوازن بين الردع القانوني والوقاية المجتمعية، بما يضمن حماية الإنسان وكرامته.
المصادر
1. قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
2. قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015.
3. كتب الفقه الجنائي – الجرائم الواقعة على الحرية الشخصية.
4. القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.



