8 يونيو، 2026

المسؤولية الاجتماعية والقانونية للمؤثرين الرقميين في منصات التواصل الاجتماعي وأثره في النظام العام والقيم المجتمعية مقالة قانونية توعوية

المسؤولية الاجتماعية والقانونية للمؤثرين الرقميين في منصات التواصل الاجتماعي وأثره في النظام العام والقيم المجتمعية
مقالة قانونية توعوية
الدكتور أحمد فارس إدريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق
المقدمة
شهد المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لظاهرة صُنّاع المحتوى الذين يعتمدون على الاستعراض المالي والهدايا والسيارات الفارهة والمظاهر الاستهلاكية بوصفها وسيلة لجذب الجمهور وتحقيق الشهرة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وقد أثارت هذه الظاهرة جدلاً مجتمعياً وقانونياً واسعاً، خصوصاً عندما بدأت تؤثر بصورة مباشرة على فئة الشباب، من خلال تقديم نماذج توحي بأن النجاح يمكن تحقيقه بعيداً عن العلم والعمل والتخصص، وإنما عبر الإثارة الإعلامية وصناعة “الترند”.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تنتقل من مجرد محتوى ترفيهي إلى ظاهرة اجتماعية تؤثر في القيم والسلوك العام، وتخلق حالة من الانبهار الزائف بثقافة الثراء السريع، الأمر الذي يستوجب دراسة قانونية واجتماعية لمعرفة حدود حرية المحتوى الرقمي، ودور القانون والدولة والمجتمع في مواجهة الآثار السلبية لهذه الظواهر.
أولاً: أسباب انتشار ظاهرة الاستعراض المالي عبر منصات التواصل الاجتماعي:
١.الأزمة الاقتصادية وضعف فرص العمل
دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسب البطالة بين الشباب إلى البحث عن وسائل سريعة لتحقيق الشهرة والمال، مما جعل بعض الشخصيات الاستعراضية تُقدَّم بوصفها نماذج ناجحة قادرة على الوصول إلى الثروة دون مسار علمي أو مهني واضح.
٢.ضعف الوعي الثقافي والإعلامي
أدى ضعف الثقافة الرقمية لدى فئة واسعة من الشباب إلى الانبهار بالمظاهر الإعلامية دون إدراك الآثار الحقيقية لهذا المحتوى، فأصبحت الشهرة مرتبطة بعدد المتابعين لا بقيمة المحتوى أو فائدته للمجتمع.
٣.غياب الرقابة القانونية الفاعلة
ساهم غياب التنظيم القانوني الواضح للمحتوى الرقمي في توسع هذه الظواهر، إذ لا توجد ضوابط دقيقة تحدد طبيعة المحتوى المقبول أو آليات الرقابة على الأنشطة المالية والإعلانية التي تُمارس عبر المنصات الإلكترونية.
٤.دور الخوارزميات الرقمية
تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على نشر المحتوى الأكثر إثارة وتفاعلاً، مما ساعد على انتشار الشخصيات القائمة على الاستعراض والمبالغة، على حساب المحتوى العلمي والثقافي والتوعوي.
٥.التأثير النفسي والاجتماعي على الشباب أصبحت فئة من الشباب تنظر إلى هذه الشخصيات بوصفها قدوة للنجاح، الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة التعليم والعمل الحقيقي، وانتشار ثقافة الربح السريع والشهرة السطحية.
ثانياً: المعالجات القانونية والاجتماعية للظاهرة:
١.تنظيم المحتوى الرقمي قانونياً
ينبغي على المشرّع وضع إطار قانوني ينظم النشاط الإعلامي والإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويحدد المسؤوليات القانونية للمؤثرين وصنّاع المحتوى، خصوصاً فيما يتعلق بالإعلانات والأنشطة المالية العلنية.
٢.تعزيز الرقابة المالية والضريبية
يجب إخضاع الأموال التي تُصرف بصورة استعراضية إلى الرقابة المالية والضريبية، للتحقق من مصادرها ومدى انسجامها مع قوانين الضرائب وغسل الأموال والأنظمة الاقتصادية النافذة.
٣.دعم المحتوى الهادف
من الضروري أن تعمل المؤسسات الإعلامية والثقافية على دعم المحتوى العلمي والتعليمي والثقافي، وتقديم نماذج إيجابية للشباب تعتمد على العمل والإبداع الحقيقي.
٤.نشر الوعي المجتمعي
تتطلب مواجهة هذه الظاهرة إطلاق حملات توعوية تبين مخاطر الانبهار بثقافة الاستعراض والثراء الوهمي، وتعزز قيم العمل والعلم والإنجاز الواقعي.
٥.التعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمعية
إن معالجة الظاهرة تحتاج إلى تعاون متكامل بين الدولة والجامعات والمؤسسات التربوية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف حماية الشباب من التأثيرات السلبية للمحتوى الهابط.
ثالثاً: دور القانون في مواجهة الظاهرة
١.حماية النظام العام والآداب العامة
القانون لا يقتصر على تنظيم العلاقات التقليدية داخل المجتمع، بل يمتد إلى حماية النظام العام والقيم الاجتماعية من أي ممارسات تؤدي إلى الإضرار بالسلم المجتمعي أو نشر السلوكيات السلبية.
٢.مكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي
قد تتحول بعض الأنشطة الاستعراضية إلى وسيلة لإخفاء مصادر الأموال أو التهرب من الالتزامات الضريبية، مما يستوجب تفعيل القوانين المتعلقة بالرقابة المالية ومكافحة الجرائم الاقتصادية.
٣.تنظيم الإعلانات الرقمية
تفرض الحاجة القانونية ضرورة مراقبة الإعلانات التجارية والهدايا والجوائز التي تُطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لمنع استغلال الجمهور أو تضليله بوسائل غير قانونية.
٤.حماية فئة الشباب والأحداث
يتحمل القانون مسؤولية حماية الفئات الأكثر تأثراً بالمحتوى الرقمي، من خلال الحد من المحتوى الذي يشجع على السلوكيات الضارة أو يروّج لثقافة التفاهة والانحراف القيمي.
٥.دور القضاء والجهات المختصة
يتوجب على القضاء والجهات الرقابية المختصة متابعة أي نشاط رقمي يثير الشبهات المالية أو يؤدي إلى الإضرار بالمجتمع، ضمن الأطر القانونية التي تضمن تحقيق العدالة واحترام الحريات العامة.
رابعاً: دور المجتمع في الحد من الظاهرة
١.دور الأسرة
تُعد الأسرة خط الدفاع الأول في توجيه الأبناء نحو التفكير الواعي، وغرس قيم التعليم والعمل واحترام النجاح الحقيقي بعيداً عن الانبهار بالمظاهر الإعلامية.
٢.دور المؤسسات التعليمية
يجب على الجامعات والمدارس تعزيز ثقافة التفكير النقدي لدى الشباب، وبيان الفرق بين النجاح الحقيقي القائم على المعرفة والعمل، وبين الشهرة المؤقتة القائمة على الاستعراض.
٣.دور الإعلام
يتحمل الإعلام مسؤولية كبيرة في عدم تحويل الشخصيات الاستعراضية إلى نماذج بطولية، والتركيز بدلاً من ذلك على الشخصيات العلمية والثقافية والإنسانية المؤثرة.
٤.دور النخب الثقافية والأكاديمية
تقع على عاتق الأكاديميين والمثقفين مسؤولية توضيح المخاطر الفكرية والاجتماعية لهذه الظواهر، والمساهمة في بناء وعي مجتمعي يحافظ على هوية المدن العراقية وقيمها الحضارية.
٥.تعزيز القيم المجتمعية الأصيلة
إن حماية المجتمع تتطلب إعادة الاعتبار لقيم الاحترام والعمل والإنجاز الحقيقي، بدلاً من ثقافة الاستعراض والاستهلاك التي تهدد الهوية الثقافية والاجتماعية.
الخاتمة:
إن ظاهرة الاستعراض المالي عبر منصات التواصل الاجتماعي تمثل تحدياً قانونياً واجتماعياً وثقافياً يتطلب معالجة متوازنة تجمع بين احترام حرية التعبير وحماية المجتمع من الآثار السلبية للمحتوى الهابط. فاستمرار انتشار النماذج القائمة على الإثارة والاستعراض دون رقابة أو وعي مجتمعي سيؤدي إلى تشويه مفهوم النجاح الحقيقي، وإضعاف قيمة العلم والعمل داخل المجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية تكامل دور القانون والدولة والمجتمع والمؤسسات الأكاديمية والثقافية والإعلامية في بناء بيئة رقمية أكثر وعياً ومسؤولية، تحافظ على القيم الحضارية للمجتمع العراقي، وتوجّه الشباب نحو مسارات النجاح والازدهار.
ترقية علمية

مشاركة الخبر