7 أكتوبر، 2026

المسؤولية القانونية عن التشهير والإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في القانون العراقي

المسؤولية القانونية عن التشهير والإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في القانون العراقي
مقالة قانونية توعوية
الدكتور احمد فارس ادريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق
المقدمة:
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم وسائل الاتصال والتعبير في العصر الحديث، لما توفره من سرعة في تداول المعلومات وإمكانية الوصول إلى عدد كبير من الأشخاص خلال وقت قصير. إلا أن هذا التطور أفرز في المقابل صوراً جديدة من الاعتداء على حقوق الأفراد، ومن أبرزها التشهير والسب والقذف والإساءة إلى السمعة والاعتداء على الخصوصية.
وتكمن خطورة هذه الأفعال في البيئة الرقمية في سرعة انتشار المحتوى وإمكانية إعادة نشره وحفظه وتداوله على نطاق واسع، الأمر الذي قد يؤدي إلى أضرار اجتماعية ونفسية ومهنية للمجني عليه. ومن ثم أصبحت المسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي موضوعاً مهماً يرتبط بحماية الكرامة والشرف والاعتبار والخصوصية، مع ضرورة تحقيق التوازن بينها وبين حرية التعبير عن الرأي.
ويستند المشرّع العراقي في مواجهة هذه الأفعال إلى عدد من النصوص القانونية، ولا سيما أحكام قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، فضلاً عن المبادئ الدستورية المتعلقة بحماية الكرامة والخصوصية وحرية التعبير.
أولاً: مفهوم التشهير والإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي:
يقصد بالتشهير، بصورة عامة، نشر أو تداول معلومات أو ادعاءات من شأنها الإضرار بسمعة شخص أو مكانته الاجتماعية أو المهنية أمام الآخرين. وقد يأخذ التشهير صورة منشور أو تعليق أو صورة أو مقطع مرئي أو تسجيل صوتي أو غيرها من الوسائل الرقمية. ويختلف القذف عن السب من الناحية القانونية؛ فالقذف يقوم على إسناد واقعة معينة إلى شخص، بحيث يكون من شأنها، لو صحت، أن توجب عقابه أو احتقاره لدى أهل وطنه، وهو ما نصت عليه المادة (433) من قانون العقوبات العراقي. أما السب فيتحقق بإسناد ألفاظ أو عبارات من شأنها خدش شرف الشخص أو اعتباره أو جرح شعوره، دون اشتراط إسناد واقعة معينة، وفق المادة (434).
وعليه، فإن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنشر اتهام كاذب أو ألفاظ مهينة لا يحول دون قيام المسؤولية القانونية لمجرد أن الفعل ارتُكب إلكترونياً، إذ يمكن أن تنطبق النصوص الجزائية التقليدية على السلوك متى توافرت أركان الجريمة وشروطها القانونية.
ثانياً: المسؤولية القانونية عن التشهير والإساءة:
تقوم المسؤولية الجزائية بصورة عامة عند توافر أركان الجريمة التي يحددها القانون، ومن أهمها وجود نص قانوني يجرّم الفعل، وصدور سلوك مادي من الجاني، وتوافر القصد الجرمي وفقاً لطبيعة الجريمة.
وفي مجال وسائل التواصل الاجتماعي، قد يتمثل السلوك المادي في نشر منشور أو تعليق أو صورة أو فيديو أو إعادة نشر محتوى يتضمن قذفاً أو سباً أو إساءة، متى انطبقت عليه الشروط التي يتطلبها القانون.
وقد عالج قانون العقوبات العراقي القذف والسب في المادتين (433) و(434)، كما اعتبر وقوعهما عن طريق النشر في الصحف أو المطبوعات أو إحدى طرق الإعلام الأخرى ظرفاً مشدداً. وبالنظر إلى طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها وسيلة واسعة الانتشار، فإن تكييف الواقعة يترك للجهة القضائية المختصة وفق ظروف كل حالة والأدلة المتوافرة فيها.
كما عالجت المادة (438) من قانون العقوبات العراقي نشر الأخبار أو الصور أو التعليقات المتعلقة بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد، حتى لو كانت صحيحة، متى كان من شأن نشرها الإساءة إليهم. ويظهر من ذلك أن الحماية القانونية لا تقتصر على مواجهة المعلومات الكاذبة، بل تمتد أيضاً إلى حماية الحياة الخاصة من النشر المسيء.
ثالثاً: دور التوعية في الحد من جرائم التشهير الإلكتروني:
تمثل التوعية القانونية والرقمية وسيلة أساسية للحد من الإساءة والتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالكثير من المستخدمين قد لا يدركون أن ما ينشرونه في حساباتهم الشخصية يمكن أن تترتب عليه آثار قانونية، وأن البيئة الإلكترونية لا تعني غياب المسؤولية.
وتشمل التوعية بيان الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والإساءة، وتعريف الأفراد بمخاطر إعادة نشر الأخبار غير الموثوقة، والتنبيه إلى خطورة نشر الصور والمعلومات الشخصية للآخرين دون مبرر مشروع، وتعزيز ثقافة احترام الخصوصية والكرامة الإنسانية.
كما ينبغي أن تتضمن برامج التوعية تدريب المستخدمين على التفكير قبل النشر، والتحقق من المعلومات، والامتناع عن مشاركة المحتوى الذي يتضمن اتهامات أو إهانات أو انتهاكاً لخصوصية الآخرين.
رابعاً: دور المجتمع في التوعية:
للمجتمع دور مهم في الحد من ظاهرة التشهير والإساءة الإلكترونية، إذ لا تقتصر المسؤولية على الجهات القانونية وحدها. فالأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام ومنظمات المجتمع المدني قادرة على بناء ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والاحترام.
ويتحقق ذلك من خلال إقامة الندوات والمحاضرات التوعوية، ونشر الثقافة القانونية المتعلقة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتشجيع الأفراد على عدم تداول المحتوى المسيء أو المساهمة في انتشاره، فضلاً عن تعزيز احترام الخصوصية وعدم تحويل المنصات الرقمية إلى وسيلة للتنمر أو الانتقام أو الإساءة.
كما أن وعي المجتمع بأهمية عدم إعادة نشر المحتوى المسيء يساهم في الحد من آثاره، لأن إعادة التداول قد توسع نطاق الضرر الواقع على الشخص المتضرر.
خامساً: دور التربويين في توعية الأبناء باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي:
يؤدي التربويون دوراً أساسياً في بناء الوعي الرقمي لدى الطلبة، ولا سيما أن الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي يتطلب توجيهاً تربوياً وقانونياً مناسباً.
وينبغي للمؤسسات التعليمية أن تعمل على إدخال مبادئ المواطنة الرقمية ضمن الأنشطة والبرامج التربوية، بحيث يتعلم الأبناء أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بحقوق وواجبات، وأن حرية التعبير لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو انتهاك خصوصيتهم.
كما يجب توعية الطلبة بخطورة نشر الشائعات والاتهامات، والسخرية من الآخرين، ونشر صورهم أو معلوماتهم دون موافقتهم، مع تعليمهم أساليب التعامل المسؤول مع الخلافات الإلكترونية.
الخاتمة:
يتضح مما تقدم أن التشهير والسب والقذف والإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمثل أفعالاً قد تترتب عليها مسؤولية قانونية متى توافرت عناصر الجريمة وانطبقت النصوص القانونية النافذة على الواقعة. وقد وفر قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل حماية جنائية للشرف والاعتبار والخصوصية من خلال تجريم القذف والسب وبعض صور نشر الأسرار الخاصة.وفي الوقت ذاته، لا بد من احترام حرية التعبير التي كفلها الدستور العراقي، مع إدراك أن هذه الحرية ليست مطلقة، وإنما تمارس ضمن الحدود التي تحمي حقوق الآخرين وكرامتهم وخصوصيتهم.ومن هنا تظهر أهمية التوعية القانونية والتربوية والمجتمعية، إذ إن مواجهة التشهير الإلكتروني لا تعتمد على العقوبة وحدها، وإنما تحتاج إلى نشر ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز الوعي لدى الأبناء والشباب بأن ما ينشر في الفضاء الإلكتروني قد يترك آثاراً اجتماعية وقانونية طويلة الأمد.
المصادر:
1. قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، ولا سيما المواد (433، 434، 435، 438).
2. دستور جمهورية العراق لسنة 2005، ولا سيما المواد (17)، (19)، (37)، (38)، (40).
3. مجلس النواب العراقي، قرارات وتوصيات الجلسات المتعلقة بمقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، 2026.
اعلان الى الطلبة كافة نعلن لكم ادناه رابط الاعتراض على نتائج امتحانات نهاية السنة الدراسية للدور الثاني 2025/2026 .
كلية الحقوق تقيم ورشة علمية حول البطاقة الوقودية في نينوى وطبيعة الحق الناشئ عنها

مشاركة الخبر