7 أكتوبر، 2026

عيد الجما الإيزيدي: مناسبة دينية وتراثية في ظل الحماية الدستورية والقانونية للتنوع العراقي

عيد الجما الإيزيدي: مناسبة دينية وتراثية في ظل الحماية الدستورية والقانونية للتنوع العراقي
د. سعيد خديده السنجاري
جامعة الموصل
يمثّل التنوع الديني والثقافي أحد أبرز ملامح المجتمع العراقي إذ ان الأديان والمكونات التي تعاقبت على أرض العراق أسهمت عبر قرون طويلة في تشكيل الذاكرة الحضارية والثقافية للبلاد ومن بين هذه المكونات يأتي المكوّن الإيزيدي، بما يحمله من تراث ديني وثقافي وروحي متجذر في بلاد الرافدين.
حيث يقول الأدب الديني الإيزيدي: إذا أردت أن تقدم خيرًا لاحد فلا تسأل عن دينه أو مذهبه ففي هذا القول تختصر فلسفة إنسانية سامية تجعل فعل الخير أسمى من اختلاف الدين والمذهب وتجعل الإنسان غايةً للخير دون سؤال عن انتمائه.
وكما يقول الإيزيدي في أحد أدعيته: اللهم احفظ جميع المخلوقات والأشخاص، ونحن من ضمنهم؛ فالدعاء هنا لا يطلب الأمن والسلام والخير للإيزيدي وحده، بل يسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ جميع المخلوقات والأشخاص، وأن يعمّهم الخير والأمان والسلام، ويكون الإيزيدي واحدًا من بينهم وهي دلالة عميقة على أن الخير، في وجدان الإنسان الإيزيدي، لا يكتمل إلا حين يشمل الجميع.
وفي هذا السياق، يحتل عيد الجما الإيزيدي مكانة خاصة في الوجدان الديني والتراثي للإيزيديين، بوصفه من أبرز المناسبات الدينية التي يتوجه فيها الإيزيديون من جميع أنحاء العالم إلى معبد لالش، الذي يُعدّ مركز الحج والمركز الديني والروحي للإيزيديين في قضاء الشيخان في العراق. ويستمر العيد لمدة سبعة أيام، يبدأ كل يوم منها بطقوس دينية مختلفة، تتخللها الأدعية والصلاة والرجاء من الله سبحانه وتعالى أن يحفظهم، وأن يعمّ الأمن والأمان والسلام على الجميع.
ويتحول عيد الجما إلى مهرجان للتعايش السلمي بين جميع الأديان، إذ يشارك المسلمون والمسيحيون وأتباع الأديان الأخرى الإيزيديين مناسبتهم، ويقدمون لهم التهاني بهذه المناسبة، في مشهد يجسد قيم المحبة والتآخي والتعايش بين أبناء المجتمع العراقي.
عيد الجما.. حين يتحول المكان إلى ذاكرة
يُعدّ لالش مركزًا روحيًا رئيسيًا للديانة الإيزيدية، وقد أدرجته وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى منظمة اليونسكو، بوصفه موقعًا ذا قيمة دينية وثقافية وتاريخية استثنائية.
ووفقًا لتاريخ هذه الديانة، كما تشير وثائق التاريخية أيضًا، فإن لالش هو المركز الروحي الرئيس للديانة الإيزيدية، وأن الإيزيديين من مختلف أنحاء العالم يقصدونه لأداء شعائرهم وزيارته ويرتبط عيد الجما بمنظومة من الطقوس والتقاليد والممارسات التي حافظ عليها الإيزيديون عبر أجيال متعاقبة، وأسهمت في استمرار هويتهم الدينية والثقافية، رغم ما تعرضوا له من موجات اضطهاد ونزوح ومحاولات متعددة للنيل من وجودهم وتراثهم ولهذا، فإن الاحتفاء بهذه المناسبة لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية دينية ضيقة فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من التنوع الثقافي العراقي الذي يستحق الحماية والاحترام.
الحماية الدستورية لحرية المعتقد والممارسة
من الناحية القانونية، لم يترك المشرّع الدستوري العراقي مسألة حرية الدين والمعتقد والممارسة الدينية دون حماية، فقد نصت المادة (2/ثانيًا) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 صراحةً على ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، وذكرت الإيزيديين ضمن المكونات الدينية التي يشملها هذا الضمان.
كما أكدت المادة (42) أن لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة، بينما نصت المادة (43) على حرية أتباع الأديان والمذاهب في ممارسة الشعائر الدينية، وعلى تكفّل الدولة بحرية العبادة وحماية أماكنها.
وتكتسب هذه النصوص أهمية خاصة عند الحديث عن المناسبات الدينية للمكونات العراقية؛ لأن حماية حرية المعتقد لا تكتمل بمجرد الاعتراف النظري بها، وإنما تتطلب أيضًا توفير البيئة القانونية والمؤسساتية التي تسمح لأتباع كل دين أو معتقد بممارسة شعائرهم ومناسباتهم بصورة آمنة وكريمة.
عيد الجما في قانون العطلات الرسمية العراقي
ولعل من أبرز مظاهر الاعتراف القانوني بالتنوع الديني في العراق أن قانون العطلات الرسمية رقم (12) لسنة 2024 أفرد نصًا خاصًا للعطلات الدينية للمكونات العراقية.
فقد نص القانون في المادة الثانية/ثالثًا على العطلات الخاصة بالإيزيديين، ومن بينها: 23–30 أيلول الشرقي: عيد الجما.
فضلًا عن قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (23563) لسنة 2023، باعتبار عيد الجما من كل عام عطلة رسمية في عموم العراق لأبناء المكوّن الإيزيدي، الموافق (6–14 / 10/ 2023
وبذلك أصبح عيد الجما مناسبة منصوصًا عليها صراحةً في قانون العطلات الرسمية العراقي، كما أقر القانون للمكونات الدينية الأخرى مجموعة من المناسبات الخاصة بها، في إطار تنظيم قانوني يعكس تعدد الأديان والمكونات في المجتمع العراقي.
ومن المنظور القانوني، فإن أهمية هذا النص لا تكمن في منح الإجازة فحسب، وإنما في الاعتراف التشريعي بالمناسبة الدينية وخصوصيتها بالنسبة إلى المكوّن الإيزيدي.
وهنا تظهر العلاقة المهمة بين القانون وحقوق الإنسان؛ فالقانون عندما يعترف بالمناسبة الدينية لمكوّن من مكونات المجتمع، فإنه يسهم في تحويل مبدأ المساواة واحترام التنوع من قيمة دستورية مجردة إلى ممارسة قانونية ومؤسساتية ملموسة.
كما أن حماية حقوق الإيزيديين تمتد إلى حماية التراث الديني والثقافي المرتبط بهذه الجماعة، وهذا ما تؤكده الجهود الدولية الحديثة لحماية التراث الإيزيدي فقد أطلقت اليونسكو مشروعًا لحصر وحماية التراث الثقافي الإيزيدي غير المادي في العراق، بهدف توثيق التعبيرات الثقافية الإيزيدية وحمايتها ونقل المعرفة المتعلقة بها إلى الأجيال القادمة، مع التأكيد على دور حماية التراث في تعزيز التماسك الاجتماعي والهوية الثقافية وهنا تتضح أهمية المناسبات الدينية، ومنها عيد الجما، باعتبارها إحدى المساحات التي تنتقل من خلالها الذاكرة الثقافية والدينية من جيل إلى آخر.
بعد جريمة الإبادة الجماعية
لا يمكن الحديث عن المناسبات الإيزيدية في العراق المعاصر من دون استحضار ما تعرض له الإيزيديون من جرائم جسيمة على يد تنظيم داعش الارهابي منذ عام 2014.
وقد وثقت الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة حجم الانتهاكات التي تعرض لها الإيزيديون، بما في ذلك القتل والاستعباد والعنف الجنسي والتهجير القسري وتدمير المواقع والموروثات الدينية والثقافية كما أشارت المنظمات الدولية إلى أن استهداف المجتمع الإيزيدي لم يقتصر على الإنسان، بل طال أيضًا الهوية الثقافية والمزارات والقطع والممارسات التراثية.
ومن هنا فإن عودة المناسبات الدينية وممارستها بحرية وأمان تحمل بُعدًا يتجاوز الاحتفال؛ فهي تمثل أيضًا استمرارًا للهوية ورفضًا لمحو الذاكرة الثقافية فالتراث يعيش في الكتب والمتاحف، كما أنه يعيش في الإنسان، وفي الشعائر، وفي اللغة، وفي الأماكن المقدسة، وفي المناسبات التي يجتمع فيها المجتمع حول ذاكرته وهويته.
الجامعة ودورها في حماية التنوع
تضطلع الجامعات بمسؤولية خاصة في نشر ثقافة احترام التنوع الديني والثقافي، ليس من خلال دراسة الأديان والمكونات فحسب، وإنما من خلال بناء بيئة جامعية تقوم على المساواة وعدم التمييز واحترام حرية الفكر والمعتقد ومن هنا، فإن التعريف بالمناسبات الدينية والثقافية للمكونات العراقية يمثل جزءًا من التثقيف بحقوق الإنسان والمواطنة والتعايش السلمي وتأتي جامعة الموصل، بحكم موقعها العلمي والثقافي في محافظة نينوى، أمام مسؤولية مهمة في تعزيز المعرفة بتاريخ وتراث جميع مكونات المحافظة، وفي مقدمتها المكوّن الإيزيدي، الذي يشكل جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والتاريخي لنينوى والعراق.
رسالة عيد الجما
إن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من عيد الجما هو أن التنوع لا يعني التباعد، وأن احترام خصوصية الآخر لا ينتقص من خصوصيتنا، بل يجعل الوطن أكثر اتساعًا للجميع فحين يحتفل الإيزيدي بمناسبته الدينية في لالش، لا يحتفل بجزء منفصل عن العراق، وإنما يمارس حقًا دستوريًا وقانونيًا وثقافيًا مكفولًا له، ويعيد وصل الحاضر بجذور تاريخية ضاربة في أرض العراق.
ولهذا، فإن احترام عيد الجما واحترام جميع المناسبات الدينية للمكونات العراقية ينبغي أن يُفهم بوصفه احترامًا للإنسان، وللدستور، وللقانون، وللتنوع الذي يشكل أحد عناصر قوة الدولة والمجتمع.
وفي بلد مثل العراق، عُرف تاريخيًا بتعدد أديانه ومذاهبه وقومياته، فإن حماية هذا التنوع مسؤولية قانونية ووطنية وإنسانية.
عيد الجما ليس مناسبة للإيزيديين وحدهم، وإنما مناسبة تذكّرنا جميعًا بأن العراق يتسع بتنوعه، وأن حماية التنوع هي حماية للعراق نفسه.
كل عام والإخوة الإيزيديون بأمن وسلام، وكل عام والعراق أكثر احترامًا لتنوعه، وأكثر تمسكًا بدستوره وقانونه وقيم التعايش والسلام.
إعلان مهم للطلبة الراغبين بالتقديم
كلية الحقوق تقيم ورشة توعوية حول أهمية الزي الجامعي الموحد

مشاركة الخبر