28 أكتوبر، 2026
الأمم المتحدة في الميدان: التحديات المعاصرة وآفاق الإصلاح

واحد وثمانون عاماً على تأسيسها
د. زياد عبدالوهاب النعيمي
كلية الحقوق =جامعة الموصل
شكل تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945 منعطفا تاريخيا في تطور القانون الدولي العام، إذ جاء استجابةً لما خلّفته الحرب العالمية الثانية من دمار واسع وانتهاكات جسيمة للسلم والأمن الدوليين. وقد سعى المجتمع الدولي، من خلال ميثاق الأمم المتحدة 1945 ، إلى إقامة نظام قانوني دولي يقوم على احترام سيادة الدول، والمساواة القانونية بينها، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، ومنع استخدام القوة أو التهديد بها، وتعزيز حقوق الإنسان والتعاون الدولي.
وبعد مرور واحد وثمانين عاماً على تأسيس المنظمة في عام 1945، تقف الأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على التوفيق بين المبادئ القانونية التي قام عليها ميثاقها وبين التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم المعاصر. فلم تعد التحديات مقتصرة على الحروب التقليدية، بل امتدت إلى النزاعات المسلحة المعقدة، والأزمات الإنسانية، والتغير المناخي، والهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية، فضلاً عن الإشكاليات المرتبطة بفعالية مجلس الأمن وامتيازات أعضائه الدائمين. وقد انعكست هذه المسائل بوضوح في مناقشات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2026.
أولاً: الأساس القانوني لقيام الأمم المتحدة
تأسست الأمم المتحدة على أساس ميثاق سان فرانسيسكو الموقع في 26 حزيران 1945، والذي دخل حيز النفاذ في 24 تشرين الأول من العام نفسه. ويعد الميثاق المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولية ، كما يمثل الإطار القانوني لتحديد اختصاصاتها والتزامات الدول الأعضاء.
وقد حددت المادة الأولى من الميثاق مقاصد المنظمة، وفي مقدمتها حفظ السلم والأمن الدوليين، وإنماء العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون الدولي في معالجة المسائل الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
أما المادة الثانية فقد أرست مجموعة من المبادئ القانونية الأساسية، من أبرزها المساواة في السيادة بين الدول، والتزام الأعضاء بتسوية منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، والامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، مع مراعاة الاستثناءات والضوابط المقررة في الميثاق، ولا سيما أحكام الدفاع الشرعي الواردة في المادة 51.
وبذلك، لم يكن إنشاء الأمم المتحدة مجرد تأسيس منظمة سياسية للتشاور، بل كان محاولة لإقامة نظام قانوني جماعي يحد من اللجوء إلى القوة، ويجعل التعاون المؤسسي وتسوية النزاعات بالطرق السلمية من الأدوات الأساسية لإدارة العلاقات الدولية.
غير أن القيمة القانونية لهذه المبادئ لا تتوقف على صياغتها في نصوص الميثاق، وإنما تتحدد كذلك بمدى التزام الدول بها، وبقدرة أجهزة المنظمة على تنفيذ اختصاصاتها في مواجهة الانتهاكات. وهنا تظهر الفجوة بين وجود القاعدة القانونية وبين فاعليتها العملية، وهي إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه النظام الدولي المعاصر.
التحديات المعاصرة التي تواجه الأمم المتحدة
هناك الكثير من التحديثات الميدانية التي تواجه المنظمة الدولية ظهرت مع تاسيس المنظمة ومنها مااستجد بعد ذلك بسبب التط
ورات النانيبة والعلمية والمنخية مما تطلب دورا واضحا وموقف ا محددا للمنظمة في ميدان عملها وتحد واضح لشسلطتها التي تلتزم بها وفق ميثاقها مع تحقيق التوتزن بينها وبين مبدا عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومن ابرز هذه التحديات :
لولا :النظام القانوني لمجلس الامن
مجلس الأمن الجهاز الرئيسي المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وفقاً للمادة 24 من الميثاق. وقد منحته المواد 39 إلى 42 صلاحيات قانونية لتحديد وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو وقوع عمل من أعمال العدوان، واتخاذ التدابير المناسبة، بما فيها التدابير غير العسكرية، وقد تصل إلى استخدام القوة وفقاً لشروط الميثاق.
إلا أن النظام القانوني لمجلس الأمن يواجه إشكالية جوهرية تتمثل في حق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الخمسة الدائمين، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل اتخاذ القرارات الموضوعية في الأزمات الدولية عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى.
وتكمن المشكلة القانونية في أن الميثاق يجمع بين مبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في المادة الثانية، وبين امتياز خاص بالدول الكبرى ( المنتصرون في الحرب) خاص لبعض الدول داخل مجلس الأمن. وقد كان هذا الترتيب جزءاً من التسوية السياسية التي قامت عليها المنظمة عند تأسيسها، لكنه أصبح موضع نقاش متزايد بشأن مدى اتساقه مع متطلبات التمثيل العادل وفعالية الأمن الجماعي.
ومن الناحية القانونية، لا يمكن تجاوز حق النقض بمجرد قرار عادي للجمعية العامة إذا كان ذلك يؤدي إلى تعديل أحكام الميثاق. فالتعديل الرسمي يخضع للإجراءات الواردة في المادة 108، بما في ذلك التصديق من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، على أن يشمل ذلك جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
ومع ذلك، يمكن تعزيز الشفافية والمساءلة السياسية من خلال تبرير استخدام الفيتو، ومناقشة آثاره في الجمعية العامة، وتطوير الممارسات المؤسسية التي تساعد على الحد من الشلل في مواجهة الأزمات، دون الادعاء بأن هذه الوسائل تلغي الفيتو قانوناً.
2- النزاعات المسلحة وتراجع احترام القانون الدولي
تواجه الأمم المتحدة تحدياً آخر يتمثل في استمرار النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وما يصاحبها من نزوح ولجوء وتهجير ، وتدمير للبنية التحتية، وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.، ويقتضي التحليل القانوني التمييز بين ثلاثة مواضيع اساسية:
قانون استخدام القوة: ينظم مشروعية لجوء الدول إلى القوة، في ضوء المادة 2/4 من الميثاق والاستثناءات المقررة قانوناً، ومنها الدفاع الشرعي وفق المادة 51.والامن الجماعي بموجب الفصل السابع من الميثاق
القانون الدولي الإنساني: ينظم سلوك أطراف النزاعات المسلحة، ويحمي المدنيين والأعيان المدنية، ويقيد وسائل وأساليب القتال.
القانون الدولي لحقوق الإنسان: يقرر التزامات الدول في مجال حماية الحقوق والحريات، وفق المعاهدات والقواعد القانونية الواجبة التطبيق.
ولا يجوز الخلط بين مشروعية بدء استخدام القوة وبين مشروعية سلوك الأطراف أثناء النزاع؛ فحتى عندما يكون اللجوء إلى القوة غير مشروع، تظل قواعد القانون الدولي الإنساني واجبة التطبيق متى انطبق نطاقها القانوني.وتتجلى المشكلة في محدودية أدوات التنفيذ الدولي عندما ترفض الدول التعاون مع الآليات المختصة أو تحول الاعتبارات السياسية دون اتخاذ إجراءات فعالة. لذلك فإن تعزيز احترام القانون الدولي يتطلب توثيق الانتهاكات، ودعم التحقيقات المستقلة، والتعاون القضائي الدولي، وتنفيذ الالتزامات التعاهدية، ومساءلة المسؤولين وفق القواعد والاختصاصات القانونية ذات الصلة.
ثاليا: التغيير المناخي والأمن البيئي
أصبحت أزمة المناخ من التحديات العابرة للحدود التي يصعب على دولة منفردة مواجهتها. فهي ترتبط بالأمن الغذائي والمائي، والنزوح، والصحة العامة، والتنمية المستدامة، وقد تزيد من هشاشة المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.
ويستند التعاون الدولي في هذا المجال إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لعام 1992، واتفاق باريس لعام 2015، فضلاً عن قواعد القانون الدولي الأخرى ذات الصلة.
وتبرز الإشكالية القانونية في كيفية توزيع الأعباء والمسؤوليات بين الدول، مع مراعاة اختلاف مساهماتها التاريخية في الانبعاثات، وقدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، ومدى تعرضها للآثار المناخية.
ولا يكفي إعلان الالتزامات المناخية؛ بل يتطلب تنفيذها سياسات قابلة للقياس، وتمويلاً مناسباً، وتعاوناً فنياً، وآليات للشفافية والمراجعة. كما ينبغي تعزيز الدعم للدول النامية التي تواجه مخاطر مناخية مرتفعة دون امتلاك الموارد اللازمة للتكيف معها.
ومن ثم، فإن دور الأمم المتحدة في هذا المجال لا يقتصر على الدعوة إلى التعاون، بل يشمل توفير الأطر التفاوضية والمؤسسية التي تساعد الدول على تحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية.
رابعا: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
أفرز التطور التكنولوجي تحديات قانونية لم تكن حاضرة بالصورة الراهنة عند صياغة ميثاق الأمم المتحدة عام 1945. ومن ذلك استخدام الأنظمة الذكية في القرارات العسكرية، والهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية، والتضليل الرقمي، وانتهاك الخصوصية، واتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول.
وتتمثل المسألة القانونية الأساسية في تحديد كيفية تطبيق القواعد الدولية القائمة على هذه الوقائع الجديدة، وما إذا كانت هناك حاجة إلى وضع قواعد إضافية أو تطوير آليات تعاون دولي أكثر تخصصاً.
وقد تضمنت مخرجات قمة المستقبل لعام 2024 الميثاق الرقمي العالمي، الذي يستهدف تعزيز التعاون الرقمي والحوكمة الدولية للتكنولوجيا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي. وتمثل هذه المبادرات أساساً للحوار الدولي، غير أن فاعليتها ستتوقف على مستوى تنفيذها، ومدى وضوح الالتزامات وآليات المتابعة والمساءلة.
خامسا: التحديات االمالية وأثرها في فاعلية المنظمة
لا ترتبط فعالية الأمم المتحدة بالنصوص القانونية وحدها، بل تتأثر أيضاً بقدرتها الإدارية والمالية على تنفيذ ولاياتها. فالمنظمة مطالبة بالاستجابة لأزمات متزامنة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية والتنموية وتتراجع فيه الموارد المتاحة لبعض البرامج والأنشطة.
وفي هذا السياق، أطلقت الأمم المتحدة عام 2025 مبادرة UN80 بهدف مراجعة أساليب العمل، وتحسين الكفاءة الإدارية، وتقليل الازدواجية، وتعزيز تنفيذ الولايات المقررة من الدول الأعضاء. وتبرز أهمية هذه المبادرة في كونها تربط الإصلاح المؤسسي بقدرة المنظمة على تحقيق نتائج ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بتوسيع اختصاصاتها الرسمية.
ومن الناحية القانونية، يجب أن يجري الإصلاح في إطار ميثاق الأمم المتحدة والاختصاصات المقررة لأجهزتها، مع مراعاة مبادئ الشفافية والمساءلة وحسن إدارة الموارد. كما أن توفير التمويل اللازم يرتبط بالتزامات الدول الأعضاء، وبضرورة ضمان عدم تحول الضائقة المالية إلى سبب يعوق تنفيذ المهام الإنسانية أو التنموية الأساسية.
.
آفاق إصلاح الأمم المتحدة في ظل التحولات الدولية
إن إصلاح الأمم المتحدة لا يعني التخلي عن المبادئ التي قامت عليها، بل تطوير الوسائل المؤسسية اللازمة لتطبيقها في ظروف دولية مختلفة عن الظروف التي سادت عام 1945.
ويمكن تحديد أهم مسارات الإصلاح في ثلاثة اتجاهات مترابطة:
الاتجاه الأول: الإصلاح القانوني والمؤسسي. ويشمل بحث توسيع تمثيل مجلس الأمن، ومعالجة الاختلالات المرتبطة بحق النقض، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرارات، مع الالتزام بالإجراءات القانونية المقررة لتعديل الميثاق.
الاتجاه الثاني: الإصلاح التنفيذي. ويقتضي تطوير عمليات حفظ السلام، وتحسين القدرة على منع النزاعات قبل تفاقمها، وتعزيز حماية المدنيين، وربط المهام الدولية بأهداف واضحة وموارد مناسبة. وقد تناولت مراجعة الأمم المتحدة لعمليات السلام في عام 2026 الحاجة إلى تكييف هذه العمليات مع طبيعة النزاعات المعاصرة، مع التأكيد على احترام الميثاق والقانون الدولي.
الاتجاه الثالث: الإصلاح التنموي والتكنولوجي. ويتطلب تعزيز تمثيل الدول النامية في المؤسسات الدولية، وتطوير التعاون بشأن المناخ والديون والتنمية المستدامة، ووضع أطر دولية مناسبة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي والمخاطر الرقمية.
على الرغم من القصور الهيكلي والتحديات القانونية والسياسية التي تواجهها، تظل الأمم المتحدة الشرعية الدولية الوحيدة التي تحول دون الفوضى المطلقة في المجتمع الدولي، ف
إن صيانة المنظمة تتطلب إصلاحات حقيقية تعيد التوازن بين واقعية القوى السياسية وسيادة القانون الدولي، بما يكفل استعادة نجاعتها في حماية حريات الشعوب واستقرار العالم.
واحد وثمانون عاما من العمل الدولي المتواصل وضعت الأمم المتحدة أمام تحولات واسعة لم تكن جميعها متوقعة عند صياغة ميثاقها عام 1945. فقد تغيرت طبيعة النزاعات، وتبدلت موازين القوى، وظهرت تحديات بيئية وإنسانية وتكنولوجية جديدة، فيما استمرت الحاجة إلى مؤسسة دولية تجمع الدول وتوفر إطاراً قانونياً للتعاون وتسوية المنازعات.
وعلى الرغم من المآخذ التي يمكن تسجيلها على أداء المنظمة، ولا سيما ما يتعلق بانتقائية الاستجابة الدولية، وتعثر مجلس الأمن في بعض الأزمات، وتأثير مصالح القوى الكبرى في صنع القرار، فإن أهمية الأمم المتحدة لا تزال قائمة بوصفها إطاراً عالمياً للتعاون الدولي ومصدرا أساسياً لمبادئ القانون الدولي المعاصر.
وختاما يمكن القول الأمم المتحدة ليست مؤسسةً بلا أخطاء، لكنها تظل مساحة يحتاجها العالم لكي يتحاور بدل أن يتصارع.




