10 أغسطس، 2026

في ذكرى الإبادة الجماعية ضد الايزيدين

في ذكرى الإبادة الجماعية ضد الايزيدين
بين ذاكرة الإبادة وتحقيق العدالة
د. زياد عبدالوهاب النعيمي
كلية الحقوق جامعة الموصل
تمثل الجريمة التي ارتكبت بحق الإخوة الإيزيديين واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها التاريخ المعاصر، لما انطوت عليه من انتهاكات جسيمة للكرامة الإنسانية ولقواعد القانون الدولي. ففي الثالث من آب عام 2014، وبعد احتلال مدينة الموصل في العاشر من حزيران من العام ذاته، أقدمت عصابات داعش الإرهابية على ارتكاب جريمة إبادة جماعية بحق أبناء المكون الإيزيدي في قضاء سنجار، مستهدفة وجودهم الديني والإنساني والثقافي.
وقد مارست تلك العصابات أبشع صور العنف، فارتكبت جرائم القتل الجماعي، والاضطهاد على أساس الانتماء الديني، واختطاف النساء وسبيهن، ونقل الأطفال قسرًا، وتشريد آلاف العائلات، فضلاً عن تدمير المنازل ودور العبادة والمعالم الدينية والثقافية، في محاولة لطمس هوية هذا المكون الأصيل والقضاء على وجوده.
التكييف القانوني للجريمة
تُعد الجرائم المرتكبة بحق الإيزيديين نموذجًا واضحًا لجريمة الإبادة الجماعية وفقًا للقانون الدولي. ويعود مصطلح (Genocide) إلى مقطعين؛ (Genos) وتعني العِرق أو الجماعة، و*(Cide)* وتعني القتل، ليصبح المعنى: “قتل جماعة بشرية بسبب انتمائها”.
وقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1946 بالإبادة الجماعية بوصفها جريمة مستقلة، ثم جاءت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 لتضع الإطار القانوني لهذه الجريمة، وقد انضمت إليها أكثر من 150 دولة، وأصبحت أحكامها جزءًا من قواعد القانون الدولي العرفي، الملزمة لجميع الدول، سواء صادقت عليها أم لم تصادق.
كما نص نظام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي أُقر عام 1998 ودخل حيز النفاذ عام 2002، في مادته السادسة، على أن الإبادة الجماعية هي أي فعل يُرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا، ويشمل ذلك:
قتل أفراد الجماعة.
إلحاق ضرر جسدي أو نفسي جسيم بأفرادها.
إخضاعها عمدًا لظروف معيشية تؤدي إلى هلاكها.
فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخلها.
نقل أطفالها قسرًا إلى جماعة أخرى.
وبتطبيق هذه الأحكام على ما تعرض له الإيزيديون في سنجار، يتبين بوضوح أن جميع أركان جريمة الإبادة الجماعية قد توافرت. فقد تحقق الركن المادي من خلال القتل الجماعي، والتعذيب، والسبي، والتهجير القسري، وتدمير الممتلكات ودور العبادة، ونقل الأطفال قسرًا. كما تحقق الركن المعنوي، والمتمثل في القصد الجنائي الخاص، إذ استهدفت تلك الأفعال القضاء على الجماعة الإيزيدية بصفتها جماعة دينية، كليًا أو جزئيًا، وهو ما يميز جريمة الإبادة الجماعية عن غيرها من الجرائم الدولية.
ولم يقتصر الاستهداف على الأشخاص، بل امتد إلى الهوية الدينية والثقافية والحضارية للإيزيديين، عبر تدمير معابدهم وآثارهم وتراثهم، في محاولة لمحو وجودهم من المنطقة التي عاشوا فيها عبر قرون.
وفي هذه الذكرى الأليمة، نستذكر الضحايا بكل حزن وإجلال، ونجدد الدعوة إلى مواصلة الجهود الرامية إلى تحرير المختطفات والمختطفين الذين لا يزال مصير عدد منهم مجهولًا، والعمل على إعادتهم إلى عائلاتهم، وضمان تقديم جميع المسؤولين عن هذه الجرائم إلى العدالة، سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء أو مساهمين في التخطيط أو التنفيذ أو التسهيل، بما ينسجم مع أحكام القانون الدولي ومبادئ العدالة.
كما أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة العراقية لإنصاف الضحايا، وفي مقدمتها قانون الناجيات الإيزيديات رقم (😎 لسنة 2021، تمثل خطوة مهمة على طريق إنصاف الضحايا وجبر الضرر، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى استكمالها بإجراءات عملية تضمن كشف مصير جميع المفقودين، ومحاسبة الجناة، وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار المناطق المنكوبة، بما يحقق العدالة الانتقالية ويحفظ كرامة الضحايا.
إن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد استذكار لمأساة إنسانية، بل هو تأكيد على ضرورة عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ قيم العدالة وحقوق الإنسان، وصون التعددية الدينية والثقافية التي تميز العراق. وستبقى ذكرى الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسان والإنسانية، ودافعًا دائمًا للعمل من أجل أن تتحقق العدالة، ويُنصف الضحايا، وألا تتكرر مثل هذه الجرائم مرة أخرى.
موقف القانون الدولي والقانون العراقي من جريمة الإبادة الجماعية
إعلان

مشاركة الخبر