24 فبراير، 2026
السيادة على المحك / الأبعاد القانونية والسياسية للخارطة العراقية لدى الأمم المتحدة

يُعد ملف الحدود العراقية-الكويتية من أكثر الملفات حساسية في الدبلوماسية العراقية، خاصة بعد التطورات الأخيرة المتمثلة في قيام العراق بإيداع خرائط ووثائق رسمية لدى الأمم المتحدة لتثبيت رؤيته لحدوده البحرية والبرية. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي إعلان سيادي يحمل في طياته أهدافاً استراتيجية وقانونية بعيدة المدى.
أولاً: جوهر التحرك العراقي (إيداع الخارطة)
تستند الخطوة العراقية إلى الرغبة في الحفاظ على ما تبقى من إطلالة بحرية للعراق، خاصة في منطقة خور عبد الله و الفشت العائم. يهدف العراق من خلال هذا الإيداع إلى:
* توثيق الاعتراض القانوني: تسجيل تحفظ رسمي على أي توسع كويتي قد يضر بالمصالح الملاحية العراقية.
* الخروج من جلباب القرار 833: يحاول العراق قانونياً التمييز بين الحدود التي رسمها مجلس الأمن في ظروف قاهرة (عام 1993) وبين الحقوق السيادية في المناطق التي لم يشملها الترسيم بدقة، خاصة ما بعد النقطة 162.
ثانياً: مواقف الدول والأطراف الفاعلة
أثار التحرك العراقي ردود فعل متباينة، يمكن تلخيصها في جبهتين:
1. الموقف الكويتي (الرفض والتمسك بالقرارات الدولية):
تعتبر الكويت أن الحدود مرسومة نهائياً بموجب القرار الأممي رقم 833. وترى في أي محاولة عراقية لإعادة النقاش حول “فشت العيج” أو الممرات الملاحية خروجاً عن الشرعية الدولية. الكويت تعتمد على سياسة “الأمر الواقع” المدعومة بقرارات مجلس الأمن السابقة.
2. الموقف الخليجي (التضامن الكامل):
اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي موقفاً موحداً وداعماً للكويت، معتبرة أن أمن الحدود الكويتية جزء من أمن الخليج. وقد صدرت بيانات عديدة تطالب العراق بالالتزام بالاتفاقيات الموقعة، خاصة اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله التي ألغتها المحكمة الاتحادية العراقية لاحقاً.
3. القوى الدولية (المراقب الحذر):
تكتفي الولايات المتحدة وبريطانيا غالباً بالدعوة إلى “احترام القرارات الدولية”، لكنها تدرك أن استقرار المنطقة يتطلب تفاهماً ثنائياً بعيداً عن التصعيد العسكري أو القانوني الحاد.
ثالثاً: الأبعاد القانونية والسياسية
1. البعد القانوني (معضلة المحكمة الاتحادية)
قانونياً، يواجه العراق تحدياً داخلياً وخارجياً؛ فقرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية خور عبد الله خلق “فراغاً تعاقدياً”. من وجهة نظر القانون الدولي (اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات)، لا يمكن للدول التحلل من التزاماتها الدولية بحجج قانونية داخلية، وهو ما يضع المفاوض العراقي في موقف دقيق.
2. البعد السياسي والاستراتيجي
* ميناء الفاو الكبير: يمثل هذا المشروع شريان الحياة الاقتصادي القادم للعراق. أي تضييق في الحدود البحرية يعني خنق الميناء تقنياً، ومن هنا تأتي أهمية الخارطة المودعة لضمان ممر ملاحي آمن وعميق.
* السيادة الوطنية: ينظر الشارع العراقي والسياسيون إلى ملف الحدود كقضية “كرامة وطنية”، مما يجعل أي تنازل من قبل الحكومة العراقية انتحاراً سياسياً.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية
* التدويل الهادئ: استمرار الطرفين في إيداع المذكرات لدى الأمم المتحدة لتعزيز الموقف القانوني في حال اللجوء مستقبلاً لمحكمة العدل الدولية.
* التفاوض الثنائي الفني: وهو المسار الأرجح، حيث يتم تشكيل لجان فنية لإعادة ترسيم الحدود البحرية بما يضمن مصالح الطرفين، بعيداً عن التشنج الإعلامي.
* الوساطة الإقليمية: دخول أطراف ثالثة لمحاولة إيجاد صيغة “ربح-ربح” تتعلق بالربط السككي وإدارة الموانئ المشتركة.
خلاصة القول: إن الخارطة العراقية المودعة لدى الأمم المتحدة هي صرخة قانونية تهدف لتصحيح ما يراه العراق “غُبناً تاريخياً” وقع عليه في لحظة ضعف، وهي ورقة ضغط سياسية لضمان عدم غلق نافذته الوحيدة على الخليج العربي.





