16 يوليو، 2026

مقالة قانونية توعوية

المسؤولية القانونية للأسرة عن الجرائم المرتكبة من قبل الأطفال في التشريع العراقي
الدكتور أحمد فارس ادريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق
مقدمة:
تعتبر الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، والبيئة الأولى التي يتلقى فيها الطفل قيمه ومبادئه وسلوكياته، ومن خلالها تتشكل شخصيته واتجاهاته الفكرية والاجتماعية. ولما كانت ظاهرة جنوح الأحداث وارتكاب الأطفال والقاصرين للجرائم من الظواهر التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، فقد أصبح من الضروري دراسة دور الأسرة ومسؤوليتها في الوقاية من هذه الظاهرة والحد من آثارها.
وتثير الجرائم المرتكبة من قبل الأطفال والقاصرين تساؤلات عديدة حول حدود مسؤولية الأسرة، وما إذا كانت هذه المسؤولية تقتصر على الجانب الأخلاقي والاجتماعي أم تمتد لتشمل المسؤولية القانونية، فضلاً عن دور المجتمع ومؤسساته المختلفة في حماية الأحداث من الانحراف والجريمة.
أولاً: المسؤولية الأخلاقية والأدبية للأسرة:
تتحمل الأسرة مسؤولية أخلاقية وأدبية كبيرة في تربية الأبناء وتنشئتهم على احترام القانون والالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية والإنسانية. فالطفل يولد صفحة بيضاء، وتكون الأسرة هي العامل الأول في تشكيل شخصيته وتحديد اتجاهاته السلوكية.
ويؤدي الإهمال الأسري، وضعف الرقابة، والتفكك العائلي، والعنف الأسري، وغياب الحوار بين الآباء والأبناء إلى زيادة احتمالات الانحراف والسلوك الإجرامي، الأمر الذي يجعل مسؤولية الأسرة مسؤولية مباشرة في مجال الوقاية من الجريمة قبل وقوعها.
ثانياً: المسؤولية الاجتماعية للأسرة ودور الوالدين:
يقع على عاتق الأب مسؤولية توفير البيئة الأسرية المستقرة ومتابعة الأبناء وتوجيههم نحو السلوك السليم، في حين تؤدي الأم دوراً محورياً في التربية اليومية وتعزيز القيم الأخلاقية والانتماء الاجتماعي لدى الأطفال.
كما أن التعاون والتكامل بين دور الأب والأم يمثلان الضمانة الأساسية لبناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة التحديات والانحرافات السلوكية، ولا سيما في ظل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني الذي أصبح أحد أهم مصادر التأثير في سلوك الأطفال والشباب.
ثالثاً: المسؤولية القانونية للأسرة في ضوء قانون العقوبات العراقي:
يقوم القانون الجنائي العراقي على مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية، بمعنى أن الإنسان لا يُسأل جنائياً إلا عن فعله الشخصي، فلا يتحمل الأب أو الأم المسؤولية الجنائية عن الجريمة التي يرتكبها ابنهما أو ابنتهما لمجرد رابطة القرابة.
إلا أن هذه القاعدة لا تمنع من مساءلة أفراد الأسرة قانوناً إذا ثبت اشتراكهم في الجريمة عن طريق التحريض أو الاتفاق أو المساعدة أو التستر على الجاني، وذلك وفقاً للأحكام العامة الواردة في قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل المتعلقة بالمساهمة الجنائية.
كما قد تترتب مسؤولية مدنية على متولي الرقابة أو الولي القانوني عن الأضرار التي يسببها القاصر للغير، متى ثبت تقصيره في واجب الرقابة والإشراف، وذلك وفقاً لأحكام القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل.
رابعاً: موقف قانون رعاية الأحداث العراقي:
حرص المشرع العراقي على التعامل مع الأحداث الجانحين وفق فلسفة الإصلاح والتأهيل بدلاً من العقاب التقليدي، وذلك من خلال قانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983 المعدل، الذي يهدف إلى حماية الحدث وإعادة دمجه في المجتمع ومعالجة الأسباب التي دفعت به إلى الجنوح.
ويمنح القانون السلطات القضائية المختصة صلاحيات اتخاذ تدابير إصلاحية وتربوية تتناسب مع عمر الحدث وظروفه الاجتماعية والنفسية، مع التركيز على دور الأسرة في عملية الإصلاح وإعادة التأهيل.
خامساً: دور المجتمع المحلي والمؤسسات التربوية:
لا تتحمل الأسرة وحدها مسؤولية مواجهة جنوح الأحداث، بل تشترك معها المدرسة والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية المختصة في بناء بيئة اجتماعية آمنة تسهم في حماية الأطفال من الانحراف.
كما أن نشر الثقافة القانونية بين الأسر، وتفعيل برامج التوعية، وتشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية، وتعزيز الحوار بين الأجيال، تمثل أدوات مهمة للحد من الجرائم المرتكبة من قبل الأطفال والقاصرين.
الخاتمة:
إن مسؤولية الأسرة عن الجرائم المرتكبة من قبل الأطفال والقاصرين ليست مسؤولية قانونية بالمعنى الجزائي في أغلب الحالات، وإنما هي بالدرجة الأولى مسؤولية أخلاقية وتربوية واجتماعية تهدف إلى بناء شخصية الطفل وتحصينه ضد الانحراف والجريمة. ومع ذلك، فإن القانون العراقي قد يرتب مسؤولية قانونية على الوالدين أو متولي الرقابة في حالات محددة تتعلق بالمشاركة في الجريمة أو الإخلال بواجب الرقابة والإشراف.
ومن ثم فإن الوقاية من جنوح الأحداث تتطلب تكاملاً بين الأسرة والمدرسة والمجتمع ومؤسسات الدولة، لأن بناء مجتمع آمن ومستقر يبدأ من بناء أسرة واعية وقادرة على أداء دورها التربوي والقانوني والاجتماعي.
المصادر:
1. قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
2. القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل.
3. قانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983 المعدل.
4. د. عبود السراج، شرح قانون العقوبات العراقي – القسم العام، بغداد.
5. د. محمود نجيب حسني،، علم الإجرام وعلم العقاب، دار النهضة العربية، القاهرة.
6. د. صباح عبد الكريم البهادلي،جنوح الأحداث وأسبابه ووسائل معالجته، بغداد
حين يتحول الأطفال إلى جناة ناقوس خطر للمجتمع
نجاز علمي جديد..

مشاركة الخبر