17 فبراير، 2026

حماية حقوق الطفل من العنف الأسري في إطار منظومة حقوق الإنسان مقالة قانونية تخصصية

حماية حقوق الطفل من العنف الأسري في إطار منظومة حقوق الإنسان
مقالة قانونية تخصصية
الدكتور أحمد فارس إدريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق

مقدمة:
لم تعد حماية الطفل من العنف الأسري مسألة اجتماعية أو تربوية فحسب، بل أصبحت قضية جوهرية ضمن منظومة حقوق الإنسان. فالطفل يتمتع بكرامة إنسانية أصيلة، وأي اعتداء عليه داخل الأسرة يُعد انتهاكاً مباشراً لحقوقه الأساسية في الحياة والأمان والسلامة الجسدية والنفسية. وقد كرس دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (29) مبدأ حماية الأسرة والطفولة، وحظر جميع أشكال العنف والتعسف في الأسرة، مما يضع حماية الطفل في صميم الالتزام الدستوري للدولة.

أولاً: حقوق الطفل في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان: يشكل الاعتراف الدولي بحقوق الطفل تطوراً مهماً في الفكر القانوني الحديث، حيث أقرت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1989 التزام الدول بحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو النفسية أو الإهمال أو الاستغلال.وتستند هذه الحماية إلى مبادئ أساسية، منها:
١.مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.
٢.مبدأ عدم التمييز.
٣.حق الطفل في الحياة والنماء.
٤.حقه في الحماية من جميع أشكال العنف.
٥.انضمام العراق إلى هذه الاتفاقية يرتب عليه التزاماً قانونياً بمواءمة تشريعاته الوطنية مع هذه المعايير.

ثانياً: العنف الأسري ضد الأطفال كجريمة وانتهاك لحقوق الإنسان: يتخذ العنف الأسري ضد الأطفال صوراً متعددة:
1. العنف الجسدي: كالضرب وإحداث الإصابات.
2. العنف النفسي: كالإهانة والتخويف والتهديد.
3. العنف الجنسي: كالتحرش أو الاستغلال.
4. الإهمال: بحرمان الطفل من الرعاية الصحية أو التعليم أو الغذاء.
ولا يُنظر إلى هذه الأفعال بوصفها مجرد مخالفات سلوكية، بل باعتبارها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان تمس كرامة الطفل وسلامته الجسدية والعقلية.

ثالثاً: الحماية الجنائية في التشريع العراقي: يشكل قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الأساس القانوني لملاحقة الأفعال التي تدخل ضمن نطاق تعنيف الأطفال، ومن أبرز مظاهر الحماية فيه:
١. تجريم جرائم القتل والإيذاء (المواد 410–417).
٢.تجريم تعريض القاصر للخطر أو إهماله.
٣.تشديد العقوبات في جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال.
إلا أن القانون لا يتضمن نصاً مستقلاً يعرّف العنف الأسري ضد الأطفال تعريفاً شاملاً، كما أن المادة (41) المتعلقة بما يسمى “حق التأديب” أثارت نقاشاً فقهياً حول مدى انسجامها مع معايير حقوق الإنسان، مما يستدعي مراجعة تشريعية لضمان وضوح الحماية وعدم إساءة تفسير النصوص.

رابعاً: مسؤولية الدولة والمجتمع في ضوء مبادئ حقوق الإنسان:وفقاً للمعايير الدولية، تلتزم الدولة بثلاثة واجبات رئيسية:
1. الاحترام: الامتناع عن أي فعل ينتهك حقوق الطفل.
2. الحماية: منع الأفراد من الاعتداء على حقوق الطفل.
3. الإعمال: اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية لضمان تمتع الطفل بحقوقه.
4.أن للمجتمع المدني والمؤسسات الدينية دوراً مكملاً يتمثل في نشر ثقافة حقوق الإنسان، وتعزيز مفاهيم التربية الإيجابية، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا.

خامساً: نحو رؤية إصلاحية شاملة:إن الحد من العنف الأسري الواقع على الأطفال يتطلب:
١.سن قانون وطني متكامل لحماية الطفل.
٢.إنشاء آليات تبليغ آمنة وسرية.
٣.تدريب الأفراد إنفاذ القانون على مبادئ حقوق الطفل.
٤.إدماج ثقافة حقوق الإنسان في المناهج الدراسية.
٥.تعزيز التعاون بين السلطات العامة ومنظمات المجتمع المدني.

الخاتمة:
إن حماية الطفل من العنف الأسري تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بمبادئ حقوق الإنسان. فكلما تعززت الحماية القانونية وتغيرت الثقافة المجتمعية باتجاه احترام الكرامة الإنسانية، اقترب المجتمع من تحقيق العدالة الاجتماعية والأمن الإنساني. فالطفل ليس موضوع رعاية فحسب، بل هو صاحب حق كامل، وحمايته واجب قانوني وأخلاقي لا يقبل التهاون.

المصادر:
1. دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
2. قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
3. اتفاقية حقوق الطفل.
4. تقارير Human Rights Watch بشأن العنف ضد الأطفال.

ندوة علمية لمكافحة التطرف العنيف
ورشة عمل حول تعزيز الكفاءة البحثية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي

مشاركة الخبر