10 أغسطس، 2026

موقف القانون الدولي والقانون العراقي من جريمة الإبادة الجماعية

موقف القانون الدولي والقانون العراقي من جريمة الإبادة الجماعية
مقالة قانونية تخصصية
الدكتور أحمد فارس إدريس
جامعة الموصل – كلية الحقوق
المقدمة:
تعتبر جريمة الإبادة الجماعية من أخطر الجرائم الدولية التي عرفها المجتمع الدولي، لأنها تستهدف الإنسان في وجوده وانتمائه إلى جماعة قومية أو عرقية أو دينية أو إثنية، ولا تقتصر آثارها على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتقضي على هوية شعوب بأكملها وتترك آثاراً اجتماعية وإنسانية وسياسية عميقة. لذلك أولى القانون الدولي اهتماماً استثنائياً بهذه الجريمة، فجعلها من الجرائم الدولية الأساسية الأربع التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وأوجب على الدول منعها والمعاقبة على مرتكبيها، باعتبارها جريمة لا تسقط بالتقادم ولا يجوز التذرع بالأوامر العسكرية أو الصفة الرسمية للإفلات من المسؤولية.
أولاً: تعريف جريمة الإبادة الجماعية:
عرفت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 الإبادة الجماعية بأنها أي فعل يُرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها تلك، سواء كان ذلك عن طريق القتل، أو إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بأفراد الجماعة، أو إخضاعهم لظروف معيشية تؤدي إلى فنائهم، أو فرض تدابير تمنع الإنجاب، أو نقل الأطفال قسراً إلى جماعة أخرى.
ويتضح من هذا التعريف أن العنصر الأساسي الذي يميز هذه الجريمة عن غيرها هو القصد الخاص الرامي إلى القضاء على جماعة بشرية محمية، وليس مجرد ارتكاب أعمال قتل أو عنف.
ثانياً: أركان جريمة الإبادة الجماعية:
تقوم جريمة الإبادة الجماعية على ثلاثة أركان رئيسية:
1- الركن المفترض: وجود جماعة محمية، وهي الجماعات القومية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية.
2- الركن المادي: ويتمثل في ارتكاب أحد الأفعال التي نصت عليها الاتفاقية، مثل القتل الجماعي، وإحداث أضرار جسدية أو نفسية جسيمة، والتهجير القسري، ومنع الإنجاب، ونقل الأطفال قسراً.
3- الركن المعنوي: ويتمثل في توافر النية الخاصة (Dolus Specialis)، أي اتجاه إرادة الجاني إلى تدمير الجماعة المستهدفة كلياً أو جزئياً، وهو ما يجعل هذه الجريمة تختلف عن الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب.
ثالثاً: أهم الاتفاقيات الدولية المنظمة للجريمة:
حظيت جريمة الإبادة الجماعية باهتمام واسع في القانون الدولي، ومن أهم الاتفاقيات والصكوك القانونية التي تناولتها:
1. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
2. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977، فيما يتعلق بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
3. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، الذي نص على جريمة الإبادة الجماعية في المادة السادسة.
4. النظام الأساسي للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغسلافيا السابقة ورواندا، اللتين أسهمتا في تطوير الاجتهاد القضائي الدولي بشأن هذه الجريمة.
رابعاً: موقف القانون الدولي:
يعتبر القانون الدولي جريمة الإبادة الجماعية من أخطر الجرائم الدولية، ويُلزم جميع الدول بمنعها وعدم التسامح مع مرتكبيها. كما يقرر المسؤولية الجنائية الفردية لكل من يرتكبها أو يخطط لها أو يحرض عليها أو يساعد في تنفيذها، بغض النظر عن منصبه الرسمي أو صفته العسكرية.ويؤكد القانون الدولي أن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز منح مرتكبيها حصانة أو عفو يمنع ملاحقتهم، كما تتحمل الدول التزاماً بالتعاون في تسليم المتهمين وتقديمهم إلى القضاء الوطني أو الدولي.
خامساً: موقف القانون العراقي: حرص العراق على مكافحة الجرائم الدولية، وانضم إلى العديد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان. كما صدر قانون الناجيات الإيزيديات رقم (😎 لسنة 2021 الذي اعترف بالجرائم التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية بحق الإيزيديين وغيرهم، وقرر جملة من الحقوق والتعويضات والرعاية وإعادة التأهيل للضحايا.
ورغم أن قانون العقوبات العراقي يعاقب على جرائم القتل والإرهاب، إلا أن الفقه القانوني يدعو إلى إدراج جريمة الإبادة الجماعية بنصوص صريحة ضمن التشريع العراقي، بما ينسجم مع قواعد القانون الجنائي الدولي.
سادساً:جريمة الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين: ان الجرائم التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية بحق الإيزيديين في قضاء سنجار عام 2014 من أوضح صور الإبادة الجماعية في العصر الحديث.فقد مارست تلك العصابات سياسة ممنهجة استهدفت القضاء على المكون الإيزيدي، من خلال القتل الجماعي، والإعدام الميداني، والتهجير القسري، واختطاف النساء والأطفال، والاسترقاق الجنسي، والتعذيب، والتجنيد القسري للأطفال، وتدمير المزارات الدينية والموروث الثقافي.وقد أكدت الأمم المتحدة وفريق التحقيق الدولي (UNITAD) أن الجرائم المرتكبة بحق الإيزيديين ترقى إلى مستوى جريمة الإبادة الجماعية وفقاً لاتفاقية عام 1948، نظراً لتوافر الركنين المادي والمعنوي للجريمة، ولا سيما القصد الخاص الرامي إلى القضاء على هذه الجماعة الدينية.
وتبقى هذه الجريمة شاهداً على ضرورة تعزيز التعاون الدولي لضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب، وتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا.
الخاتمة:
تشكل جريمة الإبادة الجماعية اعتداءً على الإنسانية بأسرها، لأنها تستهدف القضاء على جماعات بشرية بسبب هويتها وانتمائها. وقد وضع القانون الدولي منظومة متكاملة لمنع هذه الجريمة والمعاقبة عليها، إلا أن نجاح هذه المنظومة يبقى مرهوناً بالإرادة السياسية والتعاون القضائي الدولي، فضلاً عن تطوير التشريعات الوطنية بما ينسجم مع قواعد القانون الجنائي الدولي.
وتُعد التجربة العراقية، ولا سيما الجرائم التي تعرض لها الإيزيديون، دليلاً واضحاً على أهمية توثيق الجرائم الدولية، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرارها، بما يحقق العدالة ويحفظ الكرامة الإنسانية.
المصادر:
1. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، 1948.
2. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 1998.
3. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977.
4. قانون الناجيات الإيزيديات رقم (😎 لسنة 2021.
5. William A. Schabas, Genocide in International Law, Cambridge University Press.
6. Antonio Cassese, International Criminal Law, Oxford University Press.
7. تقارير فريق الأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (UNITAD).
8. Malcolm N. Shaw, International Law, Cambridge University Press.
رسالة ماجستير في كلية الحقوق بجامعة الموصل تبحث دور الطب الشرعي الرقمي في تحقيق العدالة الجنائية الدولية شهدت كلية الحقوق في جامعة الموصل
في ذكرى الإبادة الجماعية ضد الايزيدين

مشاركة الخبر